محمد بن جرير الطبري
777
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه قال : رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله ، وتركوا ملة إبراهيم الاسلام . القول في تأويل قوله تعالى : إلا من سفه نفسه . يعني تعالى ذكره بقوله : إلا من سفه نفسه إلا من سفهت نفسه ، وقد بينا فيما مضى أن معنى السفه : الجهل . فمعنى الكلام : وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها . كما : 1721 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إلا من سفه نفسه قال : إلا من أخطأ حظه . وإنما نصب النفس على معنى المفسر ذلك أن السفه في الأصل للنفس ، فلما نقل إلى من نصبت النفس بمعنى التفسير ، كما يقال : هو أوسعكم دارا ، فتدخل الدار في الكلام على أن السعة فيه لا في الرجل . فكذلك النفس أدخلت ، لان السفه للنفس لا ل " من " ولذلك لم يجز أن يقال سفه أخوك ، وإنما جاز أن يفسر بالنفس وهي مضافة إلى معرفة لأنها في تأويل نكرة . وقال بعض نحويي البصرة : إن قوله : سفه نفسه جرت مجرى سفه إذا كان الفعل غير متعد . وإنما عداه إلى نفسه ورأيه وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو سفه ، إذا هو لم يتعد . فأما غبن وخسر فقد يتعدى إلى غيره ، يقال : غبن خمسين ، وخسر خمسين . القول في تأويل قوله تعالى : ولقد اصطفيناه في الدنيا . يعني تعال ذكره بقوله : ولقد اصطفيناه في الدنيا ولقد اصطفينا إبراهيم ، والهاء التي في قوله : اصطفيناه من ذكر إبراهيم . والاصطفاء : الافتعال من الصفوة ، وكذلك اصطفينا افتعلنا منه ، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد .